باتت الإحباطات المتعلقة بحكم الفيديو (VAR) سمةً راسخة في الدوري الإنجليزي الممتاز. غير أن التقنية ذاتها كادت تمر دون أن تُثير جدلاً يُذكر في كأس العالم 2026. والأغرب من ذلك أن البيانات تكشف أن معدل تدخلات الـ VAR لكل مباراة أعلى في هذه النسخة من كأس العالم مقارنةً بالدوري الإنجليزي الممتاز في الموسم الماضي.
حكم الفيديو في كأس العالم يبدو أهدأ من الدوري الإنجليزي الممتاز — لكن الأرقام تقول عكس ذلك

باتت الإحباطات المتعلقة بحكم الفيديو (VAR) سمةً راسخة في الدوري الإنجليزي الممتاز. غير أن التقنية ذاتها كادت تمر دون أن تُثير جدلاً يُذكر في كأس العالم 2026. والأغرب من ذلك أن البيانات تكشف أن معدل تدخلات الـ VAR لكل مباراة أعلى في هذه النسخة من كأس العالم مقارنةً بالدوري الإنجليزي الممتاز في الموسم الماضي.
لماذا تبدو كأس العالم مختلفة
يؤدي الإيقاع المتسارع لكأس العالم دوراً محورياً في ذلك؛ إذ تتوالى المباريات بسرعة، ما يجعل أي لحظة خلافية تُطوى سريعاً تحت وطأة المباراة التالية. أما في الدوري الإنجليزي الممتاز، فإن المشجعين المرتبطين عاطفياً بأنديتهم يُطيلون عمر الجدل.
ثمة أيضاً سبب هيكلي وراء هذا الهدوء النسبي. في المتوسط، لا تُفضي مباراة كأس العالم إلا إلى حادثة محورية واحدة — بطاقة حمراء أو مطالبة بضربة جزاء. أما في الدوري الإنجليزي الممتاز، فيبلغ هذا الرقم ثلاث حوادث لكل مباراة. وأقل الحوادث يعني أقل نقاط الاشتعال.
يُسهم اللاعبون أنفسهم في ذلك؛ ففي بطولة كبرى تكون فيها كل شيء على المحك، يُقلل الرياضيون من المخاطرة مقارنةً بموسم مؤلف من 38 مباراة. تغدو المباراة بطبيعتها أكثر تحكماً.
فلسفة كولينا — وأوجه تشابهها مع الدوري الإنجليزي الممتاز
شكّل بيرلويجي كولينا، رئيس لجنة الحكام في FIFA، ثقافة التحكيم في البطولة عن سابق قصد وتأمل. يؤمن بأن كرة القدم رياضة تماس، وليس كل تماس يستوجب خطأً. يريد مباريات متدفقة وسريعة الوتيرة — كلام يبدو كأنه مُستلٌّ من دليل الدوري الإنجليزي الممتاز.
يؤكد ذلك إحصاء المخالفات؛ ففي كأس العالم 2018 بلغ المتوسط 27 خطأ للمباراة، وفي قطر 2022 انخفض إلى 25. أما هذه البطولة فقد تراجع إلى 21.7 — قريب جداً من 21.6 في الدوري الإنجليزي الممتاز الموسم الماضي. كذلك انخفضت الإنذارات انخفاضاً حاداً لتبلغ 2.4 لكل مباراة، وهو الأدنى بين أي منافسة كبرى أو نسخة حديثة من كأس العالم.
لعتبة كولينا المرتفعة للمواجهات الميدانية تداعيات مباشرة على الـ VAR؛ فكلما قلّت الأخطاء المُسجَّلة، قلّت المبررات لتفعيل المراجعة الفيديوية. يجب أن يتحرك الاثنان معاً. وهذا ما يفسر رفض مطالبات ضربة الجزاء المتعلقة بـ John McGinn وScott McTominay من اسكتلندا في مواجهة المغرب — مطالبات منطقية، لكنها دون العتبة التي حددها كولينا.
أرقام الـ VAR عن كثب
يسجل الدوري الإنجليزي الممتاز أصلاً أدنى معدل لتدخلات الـ VAR في كرة القدم الأوروبية بواقع 0.29 لكل مباراة. في قطر 2022 كان الرقم 0.41، وفي هذه البطولة تراجع إلى 0.33 — متقارباً مع الدوري الإنجليزي الممتاز. في المقابل، سجّل دوري أبطال أوروبا 0.47 تدخلاً للمباراة في الموسم الماضي — ما يعادل تقريباً تدخلاً كل مباراتين.
وتتوافق المراجعات الاجتهادية — التي يضطر فيها الحكم إلى الاستعانة بشاشة العرض على الملعب — أيضاً؛ إذ تتشابه كأس العالم والدوري الإنجليزي الممتاز عند 0.15 مراجعة للمباراة. أما دوري أبطال أوروبا فيتجاوز الضعف بواقع 0.36.
السرعة وأسلوب العرض يغيران كل شيء
حتى حين تتطابق الأرقام، تتباين التصورات تبايناً صارخاً. دفع كولينا حكام الفيديو نحو اتخاذ قرارات سريعة وحاسمة بدلاً من الإطالة بمراجعات لا نهاية لها. القرارات السريعة تُضيّق مساحة الشك. صمد هذا النهج طوال معظم البطولة — حتى امتدت مراجعة ضربة الجزاء الممنوحة للأرجنتين في مواجهة النمسا إلى ثلاث دقائق و40 ثانية.
تُشكّل الخيارات البثية أيضاً تجربة المشاهد؛ إذ تضع FIFA قيوداً صارمة على عدد مرات إعادة عرض الحادثة أثناء المراجعة الفيديوية، ولا تُعرض شاشة الحكم على الشاشة إلا إذا كان حكم الملعب يستخدمها فعلاً. أما في الدوري الإنجليزي الممتاز، فتُشرّح Sky Sports وTNT Sports كل زاوية، وتُبطئ الصور، وتستعين بالمحللين — فيما يمتلك المعلقون تغذية مرئية وصوتية مباشرة من مركز الـ VAR.
أضافت تقنية تحديد التسلل شبه الآلي المحسّنة من FIFA طبقةً إضافية من الهدوء؛ فحين يكون لاعب في وضع تسلل بمقدار 10 سم أو أكثر، يتلقى حكم خط الوسط تنبيهاً صوتياً تلقائياً، مما يُلغي الحاجة إلى رفع الراية المتأخرة ويُقلل من تكرار مراجعات الـ VAR المرتبطة بالتسلل. تسبّب خلل في مباراة إسبانيا وSaudi Arabia بتأخير ثلاث دقائق حين خلط النظام بين لاعبَين، لكن الفائدة الإجمالية كانت جليّة.
الدرس الأشمل مزدوج: الدقة تبقى الأولوية، لكن السرعة هي ما يحدد إن كان الـ VAR يبدو عوناً أو عبئاً. وطريقة عرض التقنية على المشاهدين قد تكون بالقدر ذاته من الأهمية التي تنطوي عليها التقنية في حد ذاتها.


